القاهرة (الاتحاد)

حظيت الكعبة المشرفة بالاحترام منذ أقدم العصور، فقد احُتُرم مكانها حتى قبل بناء إبراهيم لها، مقدسة عبر التاريخ، وتعتبر الكسوة أحد أهم مظاهر تقديس الكعبة واحترامها، وهي بيت الله الحرام، وقبلة المسلمين، جعلها الله منارة للتوحيد، ورمزاً للعبادة، وعلى مدار الزمن، حظيت كسوة الكعبة، حتى قبل الإسلام باهتمام كبير وعناية خاصة. وتؤكد ذلك جميع الأحداث والمواقف منذ قام التُبع اليمني أبو كرب أسعد «ملك حمير» بهذا الأمر وتوصيته ولاته بفعل ذلك، وقد قيل إنه أول من كسا الكعبة.
رأى التبع في منامه أنه يكسو الكعبة، لذا عندما مر بمكة راجعاً من غزوته على يثرب العام 220 قبل الهجرة، حقق رؤياه وكسا الكعبة بالمسوح والأنطاع، ثم خشي أن يؤثر ذلك في بنائها فكساها بالملاء وجعل لها باباً ومفتاحاً، وتبعه خلفاؤه من بعده فكانوا يكسونها بالجلد والقباطي، وأخذ الناس يقدمون إلى الكعبة الهدايا من كسي مختلفة، فيلبسونها على بعضها، فكان إذا بلى ثوب وضع عليه ثوب آخر، وهو أول من كساها بالخصف «ثوب غليظ»، وكسيت بعد ذلك بالوصائل «ثياب يمانية مخططة» والقباطي «ثياب مصرية»، وكانت الكسوة لمن أحب، ويتعاونون عليها ويرونه عملاً من البر.
قال ابن هشام في «السيرة النبوية»، عن تُبَّع ملك اليمن إنه أتى مكة، فعظم البيت وطاف به وحلق، وذبح وأطعم ستة أيام، ثم رأى في منامه أن يكسو البيت فكساه الخصف «حصر من الخوص»، ثم أُري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر «ثياب تنسب لقبيلة معافر في اليمن»، ثم أُري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل «ثياب مخططة نسيجها أكثر نعومة»، يوصل بعضها ببعض وهي ثياب حمر، وقال ابن إسحاق، «إن أول من كسا الكعبة كسوة كاملة تُبَّع، وهو أسعد الحميري، وأول من أمر بإخلاء ساحة الحرم الشريف من الأصنام والتماثيل، وتطهير بيوت الله.
وفي تاريخ الأمم والملوك للطبري: ولى أسعدُ الجرهميين سدانة البيت، وأمرهم بتطهيره، وألا يقربوه دما ولا ميتة ولا ميلاثا، وهي الحائض، وأن «الشِّعب» من المطابخ بمكة سمي بهذا الاسم لأن أسعد تبع نصب المطابخ في ذلك الموضع، وأطعم الناس فيه، وأن أجياد سميت باسم أجياد، لأن خيله كانت هناك.
وقال الطاهر بن عاشور، وتبع المسمى أسعد والمكنى أبا كرب، عظم سلطانه وغزا بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق، ويقال إنه بنى مدينة الحيرة، وكانت دولة تبع في سنة ألف قبل البعثة المحمدية، وقيل كان في حدود السبع مئة قبل البعثة، والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره أنه قال: «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم»، وفي رواية: «كان مؤمناً»، وفسره بعض العلماء بأنه كان على دين إبراهيم عليه السلام، وأنه اهتدى إلى ذلك بصحبة حبرين من أحبار اليهود لقيهما بيثرب حين غزاها، وفي رواية قال: «لا تسبوا أسعد الحميري، فإنه أول من كسا الكعبة».
وكسا النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة بالثياب اليمانية، وكساها عمر وعثمان القباطي.